أبي منصور الماتريدي
27
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأعز قد يحتمل معاني : أحدها : الأغلب ، وإلا فهو على مثال قوله : فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] ، أي : غلبني في الخصومة . والثاني : الأقوى والأشد ، على مثال قوله - تعالى - : أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] يعني : أقوياء وأشداء . والثالث : الأعلى الأجل ، وكذلك قوله : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل ؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج ، والكفار اتبعوا أهواءهم . وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم . وإن كان على القوة والشدة ، فقد كان ذلك للمؤمنين ؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين ، ولكنهم لما رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة ، وللكفار « 1 » أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعا ؛ ولذلك قال ذلك المنافق : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد ، توهم أنهم يغلبونهم أبدا ؛ فأظهر النفاق ، وقال عند ذلك : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 ) وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، واختلف فيه : فمنهم من قال : هذه الآية في المنافقين . ومنهم من قال : في المؤمنين . فإن كانت في المنافقين ، فكأنه يقول : يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان ، لا تلهكم أموالكم [ ولا أولادكم ] « 2 » عن ذكر الله . وإن كان في المؤمنين ، فكأنه قال : يا أيها الذين حققوا الإيمان ، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله .
--> ( 1 ) في ب : والكفار . ( 2 ) سقط في ب .